عن أي خبر نبحث؟..بقلم رشيد ماهر..

عن أي خبر نبحث…؟

بقلم: رشيد ماهر “الدار البيضاء”

أصبح الخبر في حياتنا اليومية كالنار في الهشيم بمجرد انطلاقه من مصدره الذي غالبا ما نصبغه بخبر من ” مصدر موثوق ” وقد نزيد عليه ” جدا ” ليصبح ” خبر موثوق جدا ” وكأنه وحي جاء به ملاك من السماء.،
قد نطعم الخبر بكلمة رنانة بقولنا ” خبر مسرب ” وكأنه ينبوع ماء مسرب من سد مشيد في صحراء قاحلة فنتهافث عليه برغبة جامحة كل حسب امكانيته وقوته وسرعته من أجل أن نغرف منه شربة ولما لا غسل وسقي لنباهي به الضعفاء والمحرومين من المصادر.
في ظل ما نعيشه.
الآن أصبح الخبر هو المادة الدسمة المشبعة بالبروتينات الحيوية لنمونا وتقويتنا أمام أسواق ومجامع القال والقيل فنفطر على ” خبر عاجل” ونتغدى على ” فضيحة مدوية ” ونتعشى على ” النقل المباشر ” لننام بعد مغالبة جيوش النوم على ” ترقبوا معنا الجديد ” .
والخبر هنا لا يهمنا إن كان ذو نفع لنا أو ذو ضرر المهم أنه قد انسانا أخبارنا وأخبار نحن أصحابها ومصدرها بحجة ( تفوت راسي وتجي فين بغات ) المهم أنه خبر سطر بحنكة يتوجها عنوان بارز غليض يجعلك تقف عنده وتنسى الحقيقة التي لا مناص منها والتي يبحث عنها ضميرك حتى بات تائها في سراديب الجرائد والقنوات لا نور يهتدي عليه ولا فجوة تبعث فيه أمل الخروج بالخبر اليقين.
عند سماعنا للخبر نتحمس ونتابع بارهاف السمع وخفض ضوضائنا ومنع شقاوة أطفالنا حتى نتمكن من الإصغاء والتنصث ومعرفة ما اوجبنا معرفته ضدا عن قناعاتنا وتعاليم ديننا ومصلحة وطننا وبراءة المخبر عنه( بفتح الباء) بقرينة أن المتهم بريء حتى تتبث إدانته ، وكل مخبر ( بكسر الباء) كذاب حتى يتبث صحة خبره ولو بعد حين أو سنين.
الأخبار الكاذبة كثيرا ما أطاحت برؤوس بريئة وشتت شمل أسر سعيدة وهدمت قلاع آمنة وسكبت دماء طاهرة وازهقت أرواح زكية وأصابت عقول بالجنون ومحت أمم على وجه الأرض ، تلكم هي الأخبار التي قد تكون أنت أو أنا صاحبها ومروجها عن قصد ( وما أكثرها ) أو عن غير قصد ( وذلك ناذر الوقوع) لكن ما تقصده أو لا تقصده قد يكون سببا في نهاية حياة مخلوق ظلما ، كأن يصلنا خبر أن كلب فلان مسعور وما هو بمسعور فننتفض جماعات وفرادى لكي نعدم ذاك الكلب الحارس الأمين الذي يحمي فلانا من اللصوص وطوارق الليل وبعد قتله دون إنتظار ظهور الحقيقة يتعرض مالكه إلا الهجوم على مسكنه أو إلى فقدان ماشيته ونكون نحن وقتها في فثنة أخبار أخرى من مصادر أخرى فيصبح معها مالك الكلب خبر طازج وصالح لشرب الشاي به في مجمع.
إنه في الوقت الذي تكون فيه قد أطلقت العنان لخبرك الجامح وسط العموم وأنت أعلم على أنه مجرد اشاعة أو أنه خبر مشكوك في صحته وتجلس بعد فعلتك تلك ترشف فنجان قهوة أو تشرب سيجارة أو تزهو زهو المنتصر لكونك خلقت رجة مزلزلة كالاعصار وجعلت القوم مصدقين وماهم بمصدقين تكون وقتها قد اضرمت نار الظلم في قوم آخرين فتجعلهم من هول فعلك وخبرك الزائف سكارى وما هم بسكارى ومحطمين وما بيدهم حيلة لإسكات الأفواه الجائعة.
كم من مفضح فضحه الله.
كيف امكننا أن ننسى:
كم من ظالم عنيد هلك على يد أضعف خلق الله.
وكم من جلاد مات ميثة الكلاب الضالة والمسعورة
وكم من بائع هواه للشيطان هلك وتبرأ الشيطان منه.
وكم من رجال ذوي أقلام فاقوا حليمة في عاداتها القديمة فاحترفوا النميمة وكل صنعة ذميمة وجاؤوا بأخبار اقتلعت بفعلها الأشجار وشتت شمل القبيلة والديار وأهين بها الكبار على أيدي الصغار واضرمت بها النار في عقر الدار فقط لنسميها أخبار وهي في الحقيقة ماكانت أخبار بل قنابل من صنع الأوغاد والأشرار.
إذن على أي أخبار نبحث…؟

Loading...