نظام صناديق التعويضات البيئية كآلية قانونية لإصلاح الأضرار البيئية..

بقلم : عزيز أزوكاغ " خريج ماستر العلوم الجنائية بجامعة القاضي عياض "..

تعتبر صناديق التعويضات آلية جماعية تعمل على تغطية أضرار التلوث، بحيث تسمح بإصلاح الأضرار التي تمس إحدى المصالح الجماعية، وبالتالي فإن مهمة تعويض الأضرار البيئية توزع على مجموعة من الأشخاص ولا يتحمل مسؤوليتها الشخص الذي أحدث التلوث، وذلك لضخامة الأضرار الناجمة عن التقدم الصناعي والتكنولوجي الذي تحياه البشرية في هذا العصر، والذي يتميز بأنه عصر الأضرار الضخمة التي لا يمكن تجنبها والتي تعجز قدرات محدثها المالية على أن تتحملها، وذلك نظرا لما تتسم به هذه الأضرار من عمومية وضخامة كوارثها وكما يصعب في معظم الأحوال تحديد أو معرفة شخص محدثها، وبالتالي يأخذ كل عضو من أعضاء هذه المجموعة جزءا من المسؤولية على عاتقه بقصد توفير الحماية التعويضية للمضرورين.
وبالتالي فقد كان الهدف من فكرة إنشاء صناديق التعويضات هو تعويض المضرور في الحالة التي لا يعوض فيها بوسيلة أخرى، بالإضافة إلى توزيع المخاطر الصناعية على مجموع الممارسين للأنشطة التي يمكن أن تسبب هذه المخاطر، ولا يمكن لهذه الصناديق أن تتدخل إلا بصفة تكميلية أو احتياطية لكل من نظام المسؤولية المدنية والتأمين.
وقد تبنى المشرع المغربي هذا التوجه من خلال قانون 03-11 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، بإحداث الصندوق الوطني الخاص بحماية واستصلاح البيئية، وأوكل مهام تسييره للسلطة الحكومية المكلفة بالبيئة، هذا الصندوق تم إحداثه بمقتضى المادة 18 من قانون المالية لسنة 2007 كحساب مرصد لأمور خصوصية، وقد بينت المادة 62 من قانون 11.03 المتعلق بحماية واستصلاح البيئة، على أن موارد هذا الصندوق تستعمل لتمويل التدابير التحفيزية المنصوص عليها في هذا القانون وبصفة استثنائية لتمويل المشاريع النموذجية البيئية والتجريبية.
وعليه باتت الغاية الأساسية من إحداث هذا الصندوق، هو توفير المزيد من الحماية الوقائية للمتضررين المحتملين من الأخطار البيئية.
لذلك سوف نقوم بمعالجة فكرة الصناديق التعويضات البيئية من خلال تحديد حالات تدخل الصناديق (أولا)، ثم نعرض بعد ذلك للمشاكل التي يمكن أن تنشأ عن هذه الفكرة ( ثانيا).
أولا: حـــالات تدخــــل الصناديـــــق
نتيجة عجز نظام التأمين في بعض الحالات عن تعويض الأضرار، ظهرت صناديق التعويضات البيئية لتلعب دور المكمل لقواعد المسؤولية المدنية أو التأمين عن المسؤولية، دون أن تكون بديلا عنها، وفي هذا الصدد تلعب صناديق التعويض في مجال الأضرار البيئية دورا مزدوجا، فهي تلعب دورا تكميليا في حالات عدم حصول المضرور على تعويض كامل، وتلعب دورا احتياطيا فتتدخل بدلا من المسؤول غير المعروف أو المعسر.
وفي هذا الإطار سنقف على كل من الدور التكيميلي والإحتياطي لصناديق التعويضات البيئية:
1- الدور التكميلي: تلعب صناديق التعويضات دورا تكميليا في الحالات التي لا يغطي فيها تأمين المسؤولية عن قيمة التعويضات الجابرة للأضرار التي أصابت المضرور، وذلك عندما تتجاوز قيمة الأضرار الناجمة عن النشاط الحد الأقصى لمبلغ التأمين المحدد في العقد.
2- الدور الإحتياطي: يكون للصناديق التعويضات البيئية دور إحتياطي في الحالات التي لا يثبت فيها إعسار المسؤول، وتلك التي لا يتوصل فيها المضرور إلى تحديد الشخص المضرور معرفته، وفي هذه الحالة يكون تدخل الصندوق ليحل محل المسؤولية المدنية فيتولى الصندوق تعويض المضرور تعويضا كاملا عما أصابه من أضرار ،و تتدخل صناديق التعويض كذلك بصفة احتياطية في الحالات التي لا يتوفر فيها أحد أسباب الإعفاء من المسؤولية المدنية أو أحد أسباب استبعاد التأمين، ومن تم يحل نظام صناديق التعويض محل نظام المسؤولية المدنية والتأمين فيتولى الصندوق تعويض المضرور تعويضا كاملا عما أصابه من أضرار.
وعليه يتعين على المضرور أن يلجأ أولا لمطالبة المتسبب في الضرر وبطبيعة الحال فإن المضرور يعفى من هذا الإجراء في الحالات التي يكون فيها المسؤول مجهولا، وبناء على ذلك فإن مطالبة الصندوق لا تصبح مقبولة إلا في حالة إخفاق مطالبة المسؤول، هذا الإخفاق يتحقق في حالات إعسار المسؤول أو كونه غير مؤمن أو عندما تتوافر إحدى حالات إعفائه من المسؤولية، إذا توافرت إحدى هذه الحالات كان للمضرور أن يلجأ مباشرة إلى الصندوق، مع إعطاء الصندوق الحق في دعوى الرجوع على المسؤول أحد المساهمين في تمويل الصندوق.
ويختلف دور التعويض من دور لآخر، فقد يقتصر على تعويض المضرورين، وقد يقتصر على تغطية مسؤولية الملوثين، وقد يجمع بين الدورين معا، كما هو الحال مثلا في الصندوق الهولندي ، وفي الولايات المتحدة يكون المضرور بالخيار، إما أن يرجع بالتعويض عما أصابه من ضرر مباشرة من الملوث المسؤول عندما يكون خاضعا عندئذ لنظام الخطأ الواجب الإثبات، أو أن يتجه إلى الصندوق ليحصل منه على تعويض لا يشترط للحصول عليه ثبوت خطأ الملوث، ليكون للصندوق أن يرجع على المتسببين في التلوث بما دفعه لهذا المضرورر، أما الصندوق الياباني فوظيفته تغطية المسؤولية، إذ تكون المشروعات الصناعية الملوثة معفية من مسؤوليتها بمقدار المبلغ الذي دفعه الصندوق للمضرورين.
وعليه فعلى الرغم من الحلول التي تقدمها صناديق التعويضات البيئية في سبيل جبر الأضرار البيئية، إلا أـنها تعاني من العديد من المشاكل تجعل مسألة نجاعتها نسبية من حيث أدائها.
ثانيا: المشاكل التي تثيرها صناديق التعويضات
إن إنشاء صناديق التعويضات يقدم ضمانة فعالة للمضرورين، ولكنه يشكل في الوقت ذاته عبء إضافي على عاتق الملوثين المحتملين، وهذا الوضع يجبرنا على تحقيق التوازن بين مصلحة المضرور في الحصول على حقه في التعويض وبين العبء الملقى على عاتق التشخص الملوث المحتمل خصوصا عند قبول فكرة صندوق التعويض، فمن الناحية العلمية إذا كان ما يقدمه الملوث كمساهمة في الصندوق أقل مما سيتحمله كتعويض في حالة عدم وجود الصندوق فإنه سيرحب بإنشاء صناديق للتعويض والعكس صحيح .
و أمام هذا الوضع، فإن فكرة صناديق التعويضات تطرح بعض الإشكالات الهامة خاصة فيما يتعلق بالجانب المالي للصندوق من حيث تمويله وكذلك في طريقة إدارته:
1- من حيث طرق تمويل الصندوق: تعد مسألة تمويل الصندوق من أكثر المسائل أهمية، لأن فعالية دور صناديق الضمان كآلية تعويض مكملة لنظام المسؤولية والتأمين، يتوقف على ملاءة الذمة المالية للصندوق، ومدى قدرته على دفع مبالغ التعويض الضخمة التي يستحقها ضحايا الأضرار البيئية.
وفي هذا الصدد، فإن تمويل صناديق التعويضات البيئية يتم بطرق مختلفة، فبعضها يمول فقط من اشتراكات الصناعيين في بعض القطاعات الصناعية الذين يسببون نوعا خاصا من التلوث ويمارسون نشاطهم في منطقة معينة.
كما أن تمويل الصناديق يمكن أن يكون من جهات مختلفة، وذلك بمساهمة الصناعيين الملوثين أو الإدارات المحلية وكذا الأجهزة الحكومية، ويمكن أن تصل إلى شركات ذلك إلى الحركات الجمعوية واتحادات الأشخاص المعرضين للخطر بمبالغ مالية، أما من ناحية التسيير، فنجد أن الدولة من تقوم بذلك في حالة ما إذا كانت هناك أضرار ضخمة بالبيئة، كما هو الحال في الأضرار البيئية الناجمة عن الكوارث البيئية، لأنها تتعدى ملايين الدولارات، وتقوم الصناديق في هذه الحالة بتحديد الحد الأقصى وما يزيد عن هذا الحد فتتكفل به الدولة، كما يمكن أن تكون هذه الصناديق مسيرة من ممثلين عن الدولة وكذا ممثلين عن أحد أشخاص القانون الخاص في وقت واحد وتبرز هذه الحالة عند توفر خبرات سابقة لهذا الشخص في مجال البيئة، كما يبرز دور الدولة في حالة تدخلها مباشرة لتعويض ضحايا الأخطار الضخمة مقابل قسط تقوم بسداده صناديق التعويضات المعهود إليها أصلا بالتدخل في مثل هذه الحالات.
2- من حيث إدارة صناديق التعويضات: لعل من بين أهم النقط القانونية التي تثيرها فكرة صناديق التعويضات البيئية هي مسألة تحديد من يدير هذه الصناديق، فهل تعهد بإدارتها لأحد أشخاص القانون الخاص ؟ أم نترك إدارتها للدولة فقط ؟ في هذا الصدد ينبغي التمييز بين حالتين إثنين، حالة الأضرار البيئية غير الضخمة، وحالة الكوارث الطبيعية.
ففي الحالة التي تكون فيها الأضرار البيئية غير ضخمة، نجد أن الصناديق التي تتعلق بنشاط مهني معين وهذا النوع من الصناديق يمكن أن يتدخل في حالة الكوارث البيئية غير الضخمة، ومما لاشك فيه أن إدارة مثل هذه الصناديق يعهد بها إلى أحد أشخاص القانون الخاص وليس إلى الدولة ذاتها، وهذا النوع من الصناديق يفترض وجود تضمن بين الممارسين لأنشطة مهنية متماثلة لضمان تعويض المضرورين من جراء هذه الأنشطة، وبالتالي يتم تمويله عن طريق ضريبة تفرض على هؤلاء الممارسين ويتم تحديدها وفقا لحجم وطبيعة النشاط.
أما بالنسبة لحالة الكوارث البيئية التي ترتب أضرارا ضخمة بالبيئة فيعهد بإدارة صناديق التعويض الخاصة بها إلى الدولة، لأن مثل هذه الكوارث يكون من الصعب على الصناديق الخاصة تحمل الأضرار الحاصلة، خصوصا وأنها قد تتعدى ملايين الدولارات بل وفي بعض الأحيان المليارات ولتحقيق الحماية المنشودة للبيئة في مثل هذه الحالات يمكن أن تحدد الصناديق الخاصة حدا أقصى تتحمله، وما يزيد عن ذلك تتحمله الدولة مباشرة، ومن ناحية أخرى، يمكن أن يحقق النتيجة ذاتها أن تتدخل الدولة مباشرة لتعويض ضحايا الأخطار الضخمة مقابل قسط تقوم بسداده صناديق التعويضات المعهود إليها أصلا بالتدخل في مثل هذه الحالات.
وقد يعهد بإدارة الصندوق إلى الدولة أو أحد أشخاص القانون الخاص في آن واحد، فيتم إدارة الصندوق عن طريق ممثلين عن شخص القانون الخاص، وذلك في الحالات التي يكون فيها من الضروري الاستعانة بخبرات هذا الشخص الخاص إذا كان له خبرة سابقة في هذا المجال

Loading...