ضرورة التحيين الفوري للمنظومة القانونية للصفقات العمومية. بقلم بدر الدين الفارسي خبير في مجال الصفقات العمومية.

الصفاء بريس : ذ . بدر الدين الفارسي

بعد ثمان سنوات من التطبيق تأكد أن الأهداف المهمة المسطرة في دباجة مرسوم الصفقات العمومية نسخة 2013 لم تتحقق بل كانت النتيجة عكس ما كان منتظر .
صحيح أن هذا المرسوم حقق بعض المكاسب بالمقارنة مع المرسوم السابق خصوصا فيما يتعلق بتعميم نشر بعض المعلومات وتبسيط بعض المساطر غير أن الإنتظارات المهمة المنشودة التي كانت تهدف الى توفير مناخ اقتصادي كفيل بازدهار الأنشطة المقاولتية بالمغرب ، لم يتم تحقيقها .
و الدليل على هذا الاستنتاج هو أن جميع الإجراءات والتحفيزات المتخذة في اطار المنظومة أو خارجها لتشجيع المقاولات الناشئة والمقاولات الصغرى والمتوسطة و لمعالجة مشكل البطالة عن طريق التشغيل الذاتي, اصطدمت بالعديد من المعيقات التي تشكلها المنظومة القانونية للصفقات العمومية بكل مكوناتها والأمثلة على ذلك كثيرة :
فمثلا لا الحصر :
– اجراء تخصيص 20٪ من ميزانيات المشتريات العمومية السنوية لفائدة المقاولات الصغرى و المتوسطة ورفع هذا المعدل ل 30٪ وادخال المقاولة الذاتية والتعاونيات في دائرة المستفيدين لم تستفيد منه في الواقع الا بعض المقاولات المتطورة والمنظمة والتي تمتاز بأقدميتها و تحتل مبدئيا مكانة مريحة في السوق ، أما المقاولات الناشئة أو الضعيفة من حيث الهيكلة أو التنظيم أو ذات امكانيات محدودة فهي مقصية تلقائيا من الولوج للطلبيات العمومية طبقا لمقتضيات المنظومة القانونية للصفقات العمومية الحالية . و هنا تطرح اشكالية جدوى الجهود المبذولة والتدابير المتخذة لتشجيع المبادرة الحرة والتشغيل الذاتي ودعم المقاولات في ضل منظومة قانونية تشكل حاجز قوي أمام تحقيق الأهداف المنشودة .
– النصوص القانونية المنظمة لمراجعة الأثمان منفصلة تماما عن واقع تغيرات أثمان المواد الأولية في السوق .
في ضل الأزمة العالمية الحالية اثر الجائحة تبين أن آليات مراجعة الأثمان المنصوص عليها في المنظومة القانونية للصفقات العمومية غير قادرة على معالجة التغيرات الحادة الحاصلة خلال الأزمات الاقتصادية وكانت النتيجة تعثر العديد من المشاريع, ارتفاع عدد النزاعات حول الصفقات العمومية , افلاس كثير من الشركات الكبرى والمتوسطة والصغرى ، ارتفاع عدد النزاعات و كثرة الإضرابات العمالية الى غير ذلك من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية .
– اشكالية المادة المتعلقة بالأثمان المنخفضة بشكل غير عادي
في هذا الإطار الملاحظ هو أن أغلب العروض المقدمة تتميز بأثمان جد منخفضة بالنسبة لتقديرات أصحاب المشاريع مع العلم أن هذه التقديرات لا تستند لمرجعية موضوعية وغالبا ما تكون دون المستوى الواقعي ومع ذلك فالقليل من لجن فتح العروض تجرء على رفض تبريرات المتنافسين ، وبتالي تسند أغلب الصفقات بأثمان دون مستوى التكاليف وهذه الظاهرة جد خطيرة لعدة أسباب منها :
– اتاحة الفرص لتجار الممنوعات للجوء للصفقات العمومية كوسيلة لغسل وتبييض الأموال الغير مشروعة ؛
– دفع المقاولات للجوء بطرق ملتوية لتعويض الخسائر كالتهرب الضريبي والتهرب من أداء مستحقات الصناديق الاجتماعية وعدم احترام الحد الأدنى للأجور والتماطل في أداء الأجور الى غير ذلك؛
– تشجيع الغش في الجودة وما يترتب عليه من تواطئ لجميع المتدخلين في المشاريع بانتشار أعمال الرشوة والمحسوبية والزبونية؛
– تعثر انجاز المشاريع وما يترتب عنه من قضايا تطرح أمام المحاكم وهدر للمال العام و الخاص في مساطير قانونية لا نهاية لها؛
– الى غير ذلك .
هذه مجرد عينة من نتائج فشل المنظومة القانونية الحالية للصفقات العمومية فهناك عدة جوانب أخرى بالغة الأهمية ، لا يسعني أن أتطرق اليها في اطار مقال على صفحة التواصل الاجتماعي .
كما أؤكد أن مراجعة المنظومة لا يعني الاكتفاء بتعديل بعض مواد مرسوم الصفقات العمومية كما تم اقتراحه من طرف مديرية الشؤون التقنية و العلاقة مع المهن , بل يجب اعادة النظر في جميع النصوص القانونية التي لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالموضوع كما أشار الى ذلك تقرير لجنة النموذج التنموي الجديد .
ويجب أن يبدأ هذا المسلسل بتنظيم مناظرة وطنية بمشاركة جميع المعنيين والتخلي عن سياسة اللوبيات التي تجمع بعض التمثيليات المدافعة عن مصالح فئات معينة على حساب جميع المقاولات الأخرى بالهيئات الحكومية المعنية في اجتماعات سرية لا أحد يعلم بها الا بعد صدور القرارات .
وأكرر ندائي لجميع المقاولين لتنظيم صفوفهم فالأمر يتعلق بمصيرهم الحيوي
تحياتي للجميع

Loading...